.

وقرر بيكر في مرحلة تالية أن يخلص أطراف النزاع إلى اتفاق يفرض بالقوة بواسطة قرار يصدر عن مجلس الأمن يلزم الأطراف المعنية بقبول المشروع والامتثال له ومضمون هذا المشروع هو أن يتمتع سكان الصحراء باستقلال ذاتي تتحدد معالمه في ما يلي:
ـ عودة ما يعتبره مقترح بيكر لاجئين صحراويين، بينما يعتبرهم المغرب محتجزين في مخيمات البوليساريو، ويطالب بتدخل أممي لاستعادتهم وفك الحصار عنهم
ـ انتخاب مجالس نيابية صحراوية تحت إشراف الأمم المتحدة
ـ تأسيس سلطة محلية منتخبة توكل إليها مهمة إدارة الإقليم
ـ تمكين هذه السلطة من صلاحيات مالية وإدارية تشمل كافة القطاعات الحيوية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية
ـ يحتفظ المغرب بسيادته المتمثلة في الرموز المعنوية للدولة
ـ تستمر فترة الحكم الذاتي من أربع إلى خمس سنوات، بعدها يجرى استفتاء يشمل كافة القاطنين في الإقليم، الذين يبلغون السن القانوني
ـ يجيب المرشحون للاستفتاء على أحد الأسئلة التالية : الانفصال أو الانضمام إلى المغرب أو البقاء في إطار الحكم الذاتي؟ رفض المغرب هذا المقترح، الذي يعد تراجعا عن المقترح الأصل، الذي كان تقدم به بيكر نفسه، وكان يقضي باعتماد الحل السياسي، وتحركت أطراف في مجلس الأمن للاعتراض عليه، كانت فرنسا في المقدمة، مما حال دون تقديم مقترح بيكر الثاني إلى المجلس.

وكرد على الهزيمة، التي مني بها بيكر، أعلنت الأمم المتحدة في يونيو 2004، أن وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر استقال من منصبه كمبعوث شخصي للأمين العام الأممي إلى الصحراء.

فبرغم مكانته الشخصية، والدعم الواضح من الولايات المتحدة، فشل بيكر في إيصال الأطراف إلى حل مقبول لتسوية هذا النزاع المستمر لما يقارب ثلاثين عاما، في ظل دعم الجزائر الثابت لجبهة البوليساريو.

بالنسبة للمغرب، بدأ التفكير في إيجاد حل سلمي لهذا المشكل المفتعل منذ أن استعادت المملكة أقاليمها الجنوبية، التي كانت ترزح تحت الاستعمار الإسباني عام 1975 بفضل مسيرة سلمية.

وبحسب التوجه الدبلوماسي للمملكة، لم يكن الارتكاز على خيار الاستفتاء الذي دعا المغرب إليه منذ عام 1982 إلا من أجل تأكيد رغبته في طي صفحة هذا المشكل بطرق سلمية لكن من دون أن يفرط ولو في شبر واحد من أراضيه المسترجعة، ولهذا اعتبر المغرب الاستفتاء استفتاء تأكيديا لا غير.

الاصطدام المستمر بحجر التعثر لهذا المخطط أو ذاك، جعل جلالة الملك محمد السادس يبحث عن أفق حضاري لحل وطني ديمقراطي، يأخذ بعين الاعتبار كافة المعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومدى تداخلها على الأصعدة الوطنية والإقليمية وكذا الدولية.

في هذا السياق، يأتي مشروع الحكم الذاتي، الذي دعا جلالة الملك إلى إجراء مشاورات بشأنه بين الحكومة والأحزاب السياسية، تمهيدا لطرحه كصيغة لتثبيت حل سياسي، تطبيقاً لما سبق أن جاء في خطاب المسيرة الخضراء في 6 نونبر 2005، حين أكد جلالته على ضرورة إشراك الأحزاب والنخب الصحراوية في بلورة وإثراء مفهوم حكم ذاتي في الصحراء.

خيار الحكم الذاتي، يستمد قوته من الحرص المغربي المتواصل على البحث عن حل سلمي، كما يجد مصداقيته في الدعم الدولي المتنامي، بينما تتأسس ديمقراطيته على وضعه في ميزان الحوار والتشاور الوطنيين.

وبعناوين واضحة، ردت الأحزاب والتنظيمات من داخل الصحراء وخارجها على أن الوحدة الترابية خط أحمر لا يمكن القفز عليه، يتضمن خيار الحكم الذاتي مخرجا ليس للوضع الحالي في الصحراء في الحقيقة.

فالمغرب متواجد أمنيا وإداريا واقتصاديا وسياسيا في جزء من أرضه ولكن المخرج مطروح بالنسبة للطرف الآخر، أي لجبهة البوليساريو من المعلوم أن حركات الاحتجاج، التي قادتها الاستخبارات الجزائرية في العيون، كان المراد بها استدارة الرأي العام لملف الصحراء، في وقت بدأت الجزائر تحركاتها على جبهات خارجية لإخراج صيت البوليساريو إلى الوجود من جديد.

الرد على مثل هذه التحركات قد يتخذ من قبل المغرب عدة أشكال مثل المواجهات الأمنية على الأرض، أو الهجوم الدبلوماسي المضاد، أو استدامة حالة الترقب والانتظار لسنوات أخرى، في انتظار حدوث تغييرات جوهرية تمس البوليساريو والجزائر، وقد تشمل أطرافا أخرى في الساحتين الإقليمية والدولية.

لكن المغرب فضل أن يحتوي تحركات الجزائر، التي يعتبرها منذ بداية الأزمة طرفا مباشرا في الصراع، إذ لولا الجزائر ما كانت أصلا مشكلة الصحراء ومن أجل احتواء بعيد المدى لهذا المشكل، ووقوفا عند ادعاءات الجزائر بأنها ليست طرفا في المشكلة، يأتي خيار الحكم الذاتي في الصحراء بهدف وضع نقطة في آخر السطر.

وفتح باب لكافة الصحراويين، بمن فيهم "المغرر بهم" للمشاركة في إدارة فعلية وحكامة جيدة لشؤون الإقليم بالنسبة للمغرب يحتمل أن تصعد الجزائر موقفها وتدفع جبهة البوليساريو لرفض المشروع المغربي، وهو احتمال وارد.

ومما يؤكد إصرار الجزائر على رفضها للمشروع المغربي، وقوف القيادة الجزائرية وراء مسرحية تيفاريتي إن مبادرة حضور الشخصيات الجزائرية يقرأها المهتمون بالشأن الجزائري، كإشارة لتصعيد الأزمة، وتوجيه رسالة إلى قادة البوليساريو بأن الجزائريين حاضرون هناك.

في ظل تعنث الجزائر، وتصلب موقفها، من المتوقع أن يصطدم مشروع الحكم الذاتي في الصحراء بصخرة مميتة لكن الميت هذه المرة هم قادة جبهة البوليساريو لذلك يفترض أن تكون هناك حملة دبلوماسية شاملة وقوية يقودها المغرب من أجل أن تتحرك أطراف محايدة إقليمية ودولية، وتحث جبهة البوليساريو على قراءة المعطيات بعيون مستقلة من دون استعمال النظارات الجزائرية.

وبالتالي إنهاء هذه اللعبة التي طال أمدها لعقود في حال عدم استجابة البوليساريو للمشروع المغربي والانخراط في حكم ذاتي في الصحراء، فإن المغرب في إطار حملته الموسعة داخليا وخارجيا، قرر أن يشرك جميع الأطراف، ويجعل من هذا الخيار أمرا واقعا وجديدا في المنطقة.

وتحاول الجزائر من جهتها العمل على تعطيل أو التقليل من أهمية الاعتراف الدولي الذي سيحظى به مشروع الحكم الذاتي إلا أن وجوده على أرض الواقع سيخلق وضعا جديدا يكون من الصعب على الجزائر احتواؤه أو تجاوزه، وبالتالي سيكون المغرب في وضع يدعم فيه من يدعمون وضعيتهم وهم الصحراويون في صحرائهم، وهذا ما تخشاه الجزائر، ولا تريد الدخول في فصوله.

لأن البوليساريو في حال بقائه سيكون في مستوى دون المرتبة الحالية وسيكون في مواجهة نظام صحراوي إقليمي يعمل بكل مؤسساته داخل السيادة المغربية وفي إطار الوحدة الوطنية.

ومما سيمنح هذا النظام قوته وصلابته هو تضمينه لخيارات ديمقراطية حقيقية تساعد على التطور، وتفتح الآفاق رحبة لتتفتح ألف وردة، ويشتعل التنافس من أجل تحقيق تنمية جهوية مندمجة ومستديمة.

وهو خيار كشف النوايا الحقيقية للجزائر وموقفها المستميت ضد الوحدة الترابية المغربية منذ أزيد من ثلاثين عاما وأمام انسداد الأفق في وجه هذه الخيارات، قرر المبعوث الأممي السابق، جيمس بيكر، التقدم بمقترح يقضي بضم الخيارين الأساسيين في مشروع التسوية، وهما خيار الاستفتاء وخيار الحكم الذاتي المصغر

مرت قضية الصحراء المغربية بسلسلة من السيناريوهات، التي اشتركت فيها الأمم المتحدة والأطراف المعنية في المنطقة، بدءا بالاستفتاء، ومرورا بالحل السياسي، أو ما عرف بالحل الثالث، ثم خيار التقسيم، الذي تقدمت به الجزائر، والذي استهدفت من خلاله تقسيم أراضي الصحراء بين المغرب والجزائر

.