محمد الأشهب

0642041karimnetحكم ذاتي في الصحراء يبدو الأمر مقنعاً ومغرياً لإنهاء نزاع طال أمده مع أنه في الأصل لا يعدو استحضاراً لروابط تقليدية كانت تميز العلاقة بين السكان والسلطة المركزية. غير أن مفاهيم التطور السياسي وظهور مقولة السيادة الشعبية وتحديد أنماط النظم السياسية، حتى ارتباط الحكم الذاتي بالآليات والمشاورات الديموقراطية.

وبين منطق سيادة الدولة والتخلي عن اختصاصات إدارة الشؤون المحلية المرتبطة بالتنمية وحرية المبادرة، يكمن الإطار القانوني الذي يكفل التوازن بين التطلعات والمصالح. وسواء تعلق الأمر بحل أزمة سياسة مستعصية، كما في وضع نزاع الصحراء، أو بإقرار نموذج لنظم الحكم يعكس مكونات الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي المتنوع في إطار الوحدة، فإنه لا يجب أن يساور الشك في أن المعطيات المحلية والاقليمية وحتى الدولية تدفع في اتجاه اختبار فرص نجاح هكذا تجربة. كون الأولى التي تنهض على خلفية توتر يهدد منطقة افريقيا الشمالية برمتها واستمرت مضاعفاته في تأزيم العلاقات واستنزاف الطاقات واهدار القدرات، والمقدار ذاته فإنها تحاول استيعاب مخلفات النزعات المتراوحة بين دمج الاقليم أو استقلاله. وبديهي أن أي حل لا يكتب له الصمود، إن فرض من خارج إرادة السكان المعنيين. بيد أنهم، في نزاع بمواصفات قضية الصحراء، موزعون بين الخرائط والولاءات. الصحراويون الوحدويون موالون للمغرب والمنتسبون الى جبهة «بوليساريو» تدعمهم الجزائر، والآخرون يوصفون بالشتات في موريتانيا ولاس بالماس ومناطق أخرى. وليست هناك أي مخاطر تحف الاتفاق على حل وفاقي يسبر كل التطلعات في صبغة ديموقراطية.

مبادرة المغرب لجهة معاودة تشكيل المجلس الاستشاري لشؤون الصحراء تندرج في هذا السياق الذي يهم توزيع السلطات والصلاحيات بين المركز والاقليم، ومع أنها تنطلق من مبدأ اللامركزية التي تمارس في إطار الدولة الواحدة الموحدة، فإنها تصلح فضاء لترحيل الملفات الخلافية الى مجال آخر، أقربه الأمم المتحدة التي سيكون عليها أن تبت في منطقة الحكم الذاتي المقدمة من المغرب. وقبل ذلك آليات المفاوضات بين الأطراف المعنية التي يمكن أن تنصهر فيها الرؤى والتصورات حول الممكن والمستحيل بين الخطوط الحمر والخضر.

والأهم ليس خفض التوتر أو العودة بالنزاع الى مربع الصفر خلافاً جهوياً بدد الآمال في انعاش البناء المغاربي وغياب السلم والأمن والاستقرار لعقود ثلاثة، وإنمما المهم إقرار المزيد من الحوافز التي تضع النزاع في الخلف. غير أن صدور المبادرة من طرف واحد، أي المغرب، يدفع الى الاعتقاد في أنها لن تكتمل من دون مشاورات موازية على الطرف الآخر يتيح للصحراويين المقيمين في تندوف حرية المشاركة في أي مشاورات مرتقبة. فقد أفضى النزاع الى تباين المواقع التي ترتب عنها تناقض المواقف، لكنه لم يؤشر الى هوية وكينونة المتحدرين من اصول صحراوية الذين يعنيهم جمع شمل الأسرة الواحدة في واقع قانوني وسياسي واجتماعي وثقافي له خصائص التعددية في إطار الوحدة. والأمر يطاول تجارب إنسانية أثبتت فعاليتها في نظم الحكم الذاتي السائدة في بلدان أوروبية، مثل ايطاليا والمانيا وفرنسا واسبانيا، التي أقرت فيها منظمة «ايتا» الانفصالية صواب وضع السلاح. ومع الفارق القائم في الفراغ الذي يمكن أن تملأه «ايتا» في اسبانيا أو «بوليساريو» في منطقة افريقيا الشمالية. فالثابت أن مفهوم الحكم الذاتي يتجاوز النقاش الفقهي نحو بلورة ركائز حل سياسي في إطار الدولة الديموقراطية التي تكفل التعايش والحوار بين مكوناتها كافة.

وكما الأمازيغ والعرب والأفارقة تظللهم دولة واحدة ينضوي تحتها الجميع، فلا يوجد ما يحظر انصهار المتحدرين من اصول صحراوية في الفضاء ذاته في بلورة معالم الدولة الحديثة. فالضرر الذي سحق الصحراويين كان يروم انتزاع الهوية ابان الاستعمار الاسباني، وغلبت عليه المقاربة الأمنية في العقود الأخيرة. والمبادرة اليوم تروم احترام المواطنة في الانتساب الى الوطن عبر خيار يفترض أن يفصل فيه السكان قبل الأمم المتحدة.

* نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية