يبدو أن السياسات الغربية القديمة تجاه أمتنا العربية ستظل تعمل وتؤثر إلى أجل غير مسمى رغم كل المتغيرات الجارية فيnasr1 المنطقة وبالذات في مجال الإصلاحات السياسية التي يفترض أنها تحظى بتأييد الغرب ودعمه في الوقت نفسه، وهو ما يفترض حرصاً غربياً على الاستقرار في كل دول المنطقة يمكنها من إنجاز الإصلاحات المطلوبة باعتبارها ستشكل نقلة حضارية نوعية في أوضاع دول المنطقة. تلك السياسات المشار إليها هي تلك التي ترى في استمرار بؤر الصراع في المنطقة ضرورة لاستمرار النفوذ الغربي، وهي سياسات ولدت خلال مرحلة الاستعمار واستمرت بعده بشكل غير صارخ.. فحيثما كان هناك مسألة خلافية بين بلدين جارين فمن المصلحة أن تستمر قدر الإمكان من دون أن تكون هناك اعتراضات صريحة على حلها فإن نجح الجاران في ذلك فلا بأس وإن لا، فلا مانع من تأجيج المشكلة، وكل مشكلة لها سقفها الذي لا ينبغي تجاوزه في عملية التصعيد. وحيثما كان هناك بلد ما يعاني من مشكلة داخلية كمشكلة أقليات مثلا فهي الأخرى لابد أن تستمر لتظل ورقة ضغط على أي نظام يتولى الحكم في هذا البلد الى أن تمكن هذا النظام من حلها بأي شكل من الأشكال فقد يفضل الغرب حينها التعامل مع الأمر الواقع على ألا يفقد مصالحه... وهكذا!

هذه الخواطر مبعثها مبادرة العاهل المغربي الملك محمد السادس بداية هذا الأسبوع بمنح الصحراء المغربية الحكم الذاتي باتجاه الحل النهائي لهذه المشكلة المزمنة التي تجاوز عمرها الثلاثين عاماً، فالعاهل الشاب الذي يقود عملية إصلاحات واسعة في بلاده منذ توليه الحكم عام 1999 والذي تحسنت أوضاع حقوق الإنسان في عهده بما لا يقارن مع عهد والده الراحل الملك الحسن الثاني، يسعى للوصول إلى حل نهائي لمشكلة الصحراء التي تستنزف بلاده طوال العقود الثلاثة الماضية، وهذا الحل الذي يسعى إليه مشروط بعدم التنازل عن أي شبر من الأرض الصحراوية باعتبارها أرضاً مغربية منذ القدم، ومن منطلق أن الحكم الذاتي هو أقصى ما يمكن تقديمه من تنازلات في هذا الصدد فيجمع بين تبعيتها سيادياً لبلاده من جهة وبين إعطاء أبنائها مساحة واسعة من التعاطي مع شؤونهم المحلية والحفاظ على خصوصياتهم من جهة أخرى. وفي ظني أن العاهل المغربي قد قطع خطوة تاريخية بهذه المبادرة توجب على كل المتعاطفين وغير المتعاطفين مع بلاده أن يقفوا إلى جانبه لاستثمارها وبلورتها ووقف نزيف الدماء والاقتصاد وإغلاق هذا الملف نهائياً.

من يقرأ الخارطة الجيوسياسية في المغرب العربي سيجد أن تبعية الصحراء للمملكة المغربية تبدو أمراً طبيعياً وليس فيه ما يدعو للشك، وأن الصراع المسلح حول استقلالية الصحراء ليس أكثر من صراع نفوذ بين دول وقوى سياسية ودولية. ذلك أن الأصل لدينا كأمة عربية هو الوحدة الجغرافية فإن تعذرت فهي أمة موحدة ديناً ولغة وتاريخاً وأي تنوع إنما يصب في إطار تعزيز هذا النمط الوحدوي الفريد على مستوى العالم، والأكيد أن شعب الصحراء المغربية لا يختلف عن شعب المغرب في شيء من دين أو لغة أو عرق أو تاريخ إلى آخر العوامل المشتركة التي تجعل المغاربة على حق في تمسكهم بمغربية الصحراء، ليس باعتبارها أرضاً شاسعة تزيد على ربع مليون كيلومتر مربع يقطنها ما لا يزيد على نصف مليون مواطن فقط بل إلى ذلك هي العمق الاستراتيجي لأرضهم وهي في حال استقلالها قد تتحول إلى بؤرة للتآمر على بلدهم ذي الثلاثين مليون نسمة تقريباً، والذين من حقهم أن يكون لهم في الجنوب الصحراوي الشاسع متنفس طبيعي واقتصادي واستثماري وهم يشكلون ذلك العدد الكبير من السكان الذي يحتاج للكثير من فرص العمل القادرة على انتشالهم من حالة الفقر والفاقة التي يعيشونها بسبب قلة الموارد في ذلك البلد، إذ تؤكد مؤشرات متعددة أن الأرض الصحراوية تبشر بخيرات كثيرة من النفط والغاز والمعادن، وجاءت الاكتشافات النفطية الهائلة في موريتانيا مؤخراً لتعزز تلك الاحتمالات، وهذا ما يؤكد أن منازعة المغرب على جنوبه الصحراوي ليس بعيداً عن أطراف دولية لا تريد الاستقرار لتلك المنطقة العربية ذات الموقع الاستراتيجي المميز والثروات الكبيرة.

من الغريب أن نجد الدول العربية بعيدة عن التدخل والتوسط في حل النزاع على الصحراء المغربية، وقد يكون ذلك سببه وجود أطراف عربية لها رأي في المسألة لكن هذه الأطراف لا تنازع المغرب على السيادة، بل إن خلافها معه ليس أكثر من خلاف سياسي يمكن لدور عربي جاد أن يطويه نهائياً، خاصة في ظل تنامي التعاطف والتفهم الدوليين لموقف ورأي المغرب، وقبل ذلك في ظل علاقات عربية جيدة مع المغرب. ومن المؤكد أن العاهل المغربي بخطوته الذكية بمنح الحكم الذاتي لإقليم الصحراء يكون قد سهل مهمة الأطراف العربية والدولية الراغبة في الوساطة وطي صفحة الخلاف نهائياً سواء بين المغرب وجيرانه أو في تسوية أوضاع المعارضين الصحراويين وهو أمر أصبح ممكناً في ظل الضعف الذي تعاني منه جبهة البوليساريو بعد الانشقاقات الكبيرة التي حدثت في صفوفها خلال السنوات الأخيرة. فهل يأمل المواطن العربي بموقف عربي يتلقف المبادرة الملكية المغربية ويدعمها دولياً وبحيث يطوى ملف الصراع هناك وإلى الأبد؟

نصر طه مصطفى  تقلا عن صحيفة الخليج الإماراتية